هذه الاعتقالات، التي طالت جميع الأعمار والفئات العمرية، تركت ندوب نفسية واجتماعية عميقة، حيث فقد الكثير من الأطفال سنوات دراسية، وتعرّض المعلّمون لإذلال وانتهاك حقوقهم الإنسانية والمهنية.
رصدت «الأخبار» شهادات حيّة لطلبة ومعلّمين من مدينة غزة مرّوا بتجربة قاسية في الاعتقال، في محاولة لكسر إرادتهم.
من طالب مدرسة إلى حبيس زنزانة
بشار وشاح، طالب يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، اعتُقل من مدرسة فتحي أبو حلو الغريبة في مخيم البريج، حيث كان نازحاً مع عائلته وأقاربه وبعض الجيران.
استعاد بشار اللحظة التي غيّرت مسار حياته: حين حاصر جيش الاحتلال المدرسة من جميع الاتجاهات، ودمّر السور الخلفي، قبل أن تدخل دبابات الاحتلال إلى ساحة المدرسة. أُمر الجميع بالخروج مجرّدين من ملابسهم، والوقوف خمسة خمسة، حيث تم اعتقاله من بين الخمسة الذين كانوا يقفون إلى جانبه.
لم يُتح لبشار التواصل مع عائلته، ولم يتلقى خبر استشهاد والده إلا بعد الإفراج عنه وخروجه من الأسر.
وبسبب اعتقاله في مدينة غزة، لم يتمكن بشار من الالتحاق بامتحانات الثانوية العامة وتقديمها في موعدها مع أقرانه. وبعد خروجه من السجن الذي قبع فيه مدة عام وبضعة شهور، تقدّم للدورة الثانية لمن فاتهم قطار الثانوية العامة لطلاب 2007، 2006، ونجح بمعدل 86% في الفرع العلمي، كما يطمح لدراسة تخصص تكنولوجيا المعلومات (IT).
طالب آخر حُرم من الدراسة
إلى جانب قصة بشار، روى إبراهيم الحمامي، وهو طالب بالصفوف الدراسية حيث اعتُقل وهو في سن السابعة عشرة، بتاريخ 16 من تشرين الثاني 2023 أثناء توجهه جنوباً عبر حاجز نتساريم، ليمرّ بتجربة اعتقال قاسية مع محتل غاصب للكرامة مجرّد من الإنسانية.
وقال إنه قبع داخل السجن مع معتقلين يقاربونه في السن، كما أشار إلى أنه حُرم طوال فترة اعتقاله من التواصل مع عائلته، كما حُرم من استكمال الدراسة.
مصطفى أمين… أصغر معلم في وزارة التربية
المعلم مصطفى أمين محمد أمين، البالغ من العمر 26 عاماً، اعتُقل من مدرسة الحياة الإعدادية للبنات في مدينة خانيونس التابعة لوكالة الغوث الدولية، رغم كونها منشأة يُفترض أنها آمنة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
قال مصطفى إن ظروف الاعتقال كانت قاسية ومعدومة الإنسانية، بدءاً من أول يوم للتحقيق الميداني القاسي، وتجريده من الملابس، وصولاً إلى نقله لعدّة سجون، حيث فُرضت عليه أوضاع احتجاز قاسية تضمّنت الحرمان من الهدوء والاستقلالية والنوم والطعام والعلاج والنظافة.
وروى مصطفى تفاصيل أول يوم بغرفة التحقيق عندما اتُهم بتعليم «الإرهاب» للطلبة، فأجاب بأنه معلّم يدرّس المنهاج الفلسطيني الرسمي المتبّع، قبل أن تقابل إجابته بالإهانة والاعتداء والضرب.
مهمة إنسانية
(إ.أ) هو أحد الأسرى المفرج عنهم ضمن صفقة طوفان الأقصى، البالغ من العمر 22 عاماً وأربعة أشهر ويومين، والذي اعتقل بتاريخ 17/11/2024 من مستشفى كمال عدوان، رغم أنّه كان مرافقاً لمريض قلب في مهمة إنسانية جرى تنسيقها مع الصليب الأحمر.
قال (إ.أ) إن معاملة قوات الجيش كانت قاسية للغاية صعبة، نفسياً وجسدياً ، وإنه شعر بالخوف في البداية، لأن قوات الاحتلال تركت الكلاب الضالة تنهش بجسده دون رحمة، ورشّت عليه الماء البارد، كما تعرض للتعذيب، لكن الإيمان والثبات ساعداه على الصمود.
ورغم الإفراج عنه، لم ينسَ رفاقه الذين بقوا في الأسر، فزار عائلاتهم واطمأن عليهم، وحلمه أن يتحرر جميع الأسرى.
روى ( إ.أ) تفاصيل ما حدث معه داخل غرفة التحقيق قائلاً: «لوهلة بتحسّ حالك بحلم أو بالأحرى بكابوس، عذاب(البلنكوا) ولا (كرسي الكهربا) ولا (غرفة التلج) ولا..... شغلات كثيرة، أقل أسير خرج من السجن في كهربا بتضوي غزة لسنة قدّام، عذاب الكهرباء كان شيء بسيط بالنسبة لباقي العذاب الذي تعرضنا له».
وأضاف: «وضعية التنكيس وهي (وضع الرأس باتجاه الأرض والساقين للأعلى باتجاه السقف) نهار كامل وخلال ساعات النهار تتعرض لضرب مُبرح من أشخاص بحجم وبكتلة عضلية ضخمة غير طبيعية».
وأضاف أنه فقد وعيه داخل غرفة التحقيق أكثر من 10 مرات، لأن ضابط التحقيق قام بربط عنقه بحبل الإعدام، وعلّق الحبل بالسقف وأزال الكرسي من تحت ساقيه، لمدة ثوان معدودة.
القلم الفلسطيني كالسيف
أما الكاتب والأديب الفلسطيني، محمد جودة، وهو معلّم اللغة العربية، قال: «أعيش بين حروفي وكلماتي، لم أحمل سلاحاً سوى قلمٍ صدَّاح بالحقيقة، أُدرّس اللغة، وأغرس الوعي، وأُربي الأجيال على نور البيان».
وفي مساء يوم الأربعاء، الموافق الثالث والعشرين من تشرين الأول لعام 2024، عبر حاجز مدينة الشيخ زايد، قُطعت أمامه الطريق قبل صلاة العشاء وتم اعتقاله.
قال محمد جودة إنّ الاعتقال كان همجياً تعرض خلاله للضربٌ والتعذيب ولإهانات لا توصَف، مضيفاً «تم التحقيق الميداني وسط الشتائم والإذلال، حفَروا لي حفرة في الأرض، وألقوني فيها».
نُقل جودة إلى ما يُسمّى بموقع «جحيم غزة»، حيث مكث فيه ما يقارب يوماً ونصف في العراء، بلا لباس، وبلا غطاء، ثم انتقل بين زنازين عدة بتهمة أنه معلّم لغة عربية وأديب.
من جهته وجّه رسالة لكل أحرار العالم ليقول بأن الكلمة لا تُكسر، وأن الحرف الصادق، أشدّ وقعاً من الرصاص.
قراءات ودراسة نفسية
أوضحت الدكتورة تهاني أبو غالي، الأخصائية النفسية في وكالة الغوث الدولية «أونروا»، أن الاعتقال المفاجئ يسبب صدمة نفسية حادة تشمل الخوف الشديد، فقدان الإحساس بالأمان، واضطرابات الانتباه. وتشير إلى أن الأطفال غالباً ما يُظهرون بكاءً متكرراً أو انسحاباً أو سلوكاً عدوانياً، بينما يعاني المعلّمون من ارتباك مهني واضطرابات قلق واكتئاب.
وأكدت أن هذه الصدمات قد تؤدي إلى اضطرابات طويلة الأمد، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، وأن التدخل النفسي المبكر، والدعم الأسريّ، وإعادة الروتين، عناصر أساسية في التعافي. كما تشدد على أهمية التوثيق كدليل علمي أمام المحاكم الدولية، ويُعتبر خطوة ضرورية للضغط على المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات إنسانية.
أثر الاعتقال على التعليم والمجتمع
الاعتقال لا يطال الفرد فقط، بل يمتد تأثيره إلى البيئة التعليمية والمجتمع بأسره. الطلاب يفقدون سنوات دراسية، ويواجهون صعوبة في التركيز والاستيعاب بعد التحرر، بينما المعلمون يتعرضون لفقدان الثقة والقدرة على التواصل مع الطلاب، ما يترك فجوة في جودة التعليم.
تشير الدراسات النفسية إلى أن الأطفال أكثر عرضة للاضطرابات طويلة الأمد، لكنهم يمتلكون مرونة نسبية تساعدهم على التعافي إذا توفر الدعم النفسي والأسريّ المناسب. أما البالغين، فيكونون أكثر عرضة للاكتئاب والقلق المزمن، مما يؤثر على قدرتهم المهنية والاجتماعية.
تضيف الشهادات أن الأطفال والمعلمين الذين مرّوا بالاعتقال يعانون من انسحاب اجتماعي، وكوابيس، وصعوبة في النوم، وخوف مستمر من الانفصال، بالإضافة إلى اضطرابات تغذية، وعجز عن التركيز. هذه التأثيرات لا تقتصر على الفرد، بل تمتد لتؤثر على المجتمع ككل، حيث يزداد الشعور بالعجز وفقدان الثقة بالمؤسسات والسلطات.مدرّسو وطلاب غزة خلف القضبان...

